حسن حسني عبد الوهاب
55
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
وفي المثل : " الحاجة أم الاختراع " و " الحاجة تحدث الوسيلة " . وفي الحقيقة لم تكن عناية الأوائل بأساليب التعليم ونظمه بأقل من اهتمامهم بتوجيه الطلبة إلى ما يناسب استعداد كل فرد منهم وإرشاده إلى ما تطيق نفسه ويناسب حاله وميوله . قال سعيد بن الحداد : " كان شاب يختلف إلى أسد بن الفرات يطلب عليه العلم ، فبينما هو ذات يوم جالس معه إذ سأله عن صناعته ، فسمّى له الشاب حرفته ، فقال له أسد : " قم ! " بانتهار ، فقال له الشاب : ما قصّتي ، أصلحك اللّه ؟ ، إن كنت أنكرت صناعتي تركتها " فقال له أسد : ما أنكرتها ، ولكني أنكرت تعطيلك لحانوتك الذي منه معاشك ، وتقوى به على طلب العلم ، وصاحب الحانوت إنما هو بالحرفاء ، فإذا جاءك حريفك اليوم ولم يجدك ، وغدا فلم يجدك ، وبعد غد مثل ذلك استبدل بك غيرك ، فضررت بنفسك وبمن تعوله ، ولكن إن عزمت فاجعل لنفسك يوما أو يومين في الجمعة يعلم حرفاؤك بمغيبك عن حانوتك في ذلك اليوم أو اليومين ، فيأخذون ما يحتاجون إليه قبل مغيبك " ثم زاد أسد فقال : " انظر إلى هؤلاء الذين يأتون من باديتهم ، إنما هم أهل حرث وحصاد ، فإذا كان وقت حرثهم وحصادهم لم تر أحدا منهم يجيء إلينا ، فإذا كان انقضى حرثهم وحصادهم عادوا إلى ما كانوا عليه من الدراسة " " 1 " . ومثل هذه النصيحة التوجيهية الصادرة من أسد بن الفرات تجد لها نظائر لا تحصى في تراجم العلماء المرشدين في العصر الذي نتكلم عنه ، ولا يفوتنا أن هؤلاء المربين إنما كان عملهم في بثّ العلم ونشر وسائله ، والصبر على أثقال التدريس خالصا لوجه اللّه الكريم ، ولم يكن لهم ما يعوّضهم من أتعابهم ولا لهم مرتبات يتقاضونها من حكومة أو غيرها ، ولذا كنت لا ترى واحدا منهم إلا وله عمل في فلاحة أو تجارة يباشره بيده ، يقوم به معاشه ومعاش أهله . حدّث عبد الجبار بن خالد ، قال : " كنا نسمع العلم من سحنون بمنزله في
--> ( 1 ) رياض النفوس للمالكي ج 1 : ص 185 [ 1 : 268 - 269 ] .